النويري

250

نهاية الأرب في فنون الأدب

فتخلَّوا عنها ، وأطلقوا عقالها ، وخلَّوا سبيلها ، ينتدب إليها آل رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم الذين شرّدتموهم في البلاد ، ومزّقتموهم في كل واد ، بل تثبت في أيديكم لانقضاء المدّة ، وبلوغ المهلة ، وعظم المحنة ؛ إنّ لكلّ قائم قدرا « 1 » لا يعدوه ، ويوما لا يخطوه ، وكتابا بعده يتلوه ، « لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلَّا أحصاها » « وسيعلم الَّذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون » . ثم التمس الرجل فلم يوجد . ومن كلام قطرىّ بن الفجاءة - وكان من البلغاء الأبطال ، فمن ذلك خطبته المشهورة التي قال فيها : أما بعد ، فإني أحذّركم الدنيا فإنها حلوة خضرة ، حفّت بالشهوات ، وراقت بالقليل ، وتحببت بالعاجلة ، وحليت بالآمال ، وتزيّنت بالغرور ؛ لا تقوم « 2 » نضرتها ، ولا تؤمن فجيعتها ؛ غرّارة ضرّارة ، وحائلة زائلة ، ونافدة بائدة « 3 » ، أكَّالة غوّالة ؛ لا تعدو إذا تناهت إلى أمنيّة أهل الرغبة فيها والرضا عنها أن تكون كما قال اللَّه تعالى : * ( كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ وكانَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ) * مع أن امرا لم يكن معها « 4 » في حبرة ( أي السرور ) ، إلا أعقبته بعدها حسرة ، ولم يلق من سرّائها بطنا إلا منحته من ضرّائها ظهرا ، ولم تصله « 5 » غيثة رخاء ، إلَّا هطلت عليه مزنة بلاء ؛ وحريّة إذا أصبحت له منتصرة ، أن

--> « 1 » في الأصل : « قديما » ولعل صوابه ما أثبتنا كما يدل عليه قوله بعد : « لا يعدوه » . « 2 » لا تقوم ، أي لا تثبت ؛ وفى صبح الأعشى ج 1 ص 223 : « لا تدوم » . « 3 » في الأصل : « زائدة » وهو تحريف . « 4 » في صبح الأعشى : « منها » والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين . « 5 » كذا في الأصل وصبح الأعشى ؛ والذي في العقد الفريد ج 2 ص 195 طبع بولاق : « تطله » بالطاء ؛ وهو أقرب إلى سياق العبارة مما هنا ؛ وتطله من الطل بتشديد اللام بمعنى المطر الضعيف .